مولي محمد صالح المازندراني
149
شرح أصول الكافي
فيستهلك في نظر الطالب الأغيار وتحترق الحجب والأستار ، فلا ينظر إلاّ إليه ، والتوفيق منه والتكلان عليه . ثمّ زاد في التنفير عن ترك العمل بقوله : ( إنّ العالم بغيره ) أي بغير علمه أو بغير ما يقتضيه علمه من الأعمال الصالحة . ( كالجاهل الحائر ) في عدم العلم ; لأنّ العلم بلا عمل ليس بعلم ، بل هو أسوء من الجهل ، وفي الهلاك والضلال والأخذ على غير طريق الحقّ والجور عن قصد السبيل ، سواء كان جهله بسيطاً أو مركّباً . ( الذي لا يستفيق عن جهله ) ولا يطلب الخروج منه ، ولا يرجع من مرض الجهل إلى الصحّة ، وتشبيه الجهل بالسكران استعارة مكنيّة ، وذكر عدم الاستفاقة تخييليّة ، ويلزم من هذا الكلام بطريق العكس أنّ الجاهل المتعلّم كالعالم العامل كما يرشد إليه قول أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في كلام له : « الجاهل المتعلّم شبيه بالعالم ، والعالم المتعسّف شبيه بالجاهل » ( 1 ) . ( بل قد رأيت ) أي بل قد علمت يقيناً مثل المعاينة . ( أنّ الحجّة عليه أعظم والحسرة أدوم على هذا العالم المنسلخ من علمه ) لإشراف علمه بترك العمل به إلى الزوال والفناء . ( منها على هذا الجاهل المتحيّر في جهله ) قوله : « منها » متعلّق بأعظم وأدوم على سبيل التنازع ، وأمّا أنّ الحجّة على هذا العالم أعظم فلأنّ محاسبة الناس والاحتجاج عليهم يوم القيامة على قدر عقولهم ، ولأنّه لمّا ترك ما علم حقيقته وعمل بخلافه انقطع عذره ، ولذلك قال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : « قطع العلم عذر المتعلّلين » ( 2 ) ، يعني أرباب التعلّل العالمين بما يتعلّلون به لا عذر لهم بخلاف الجاهل والناسي فإنّ للجاهلين أن يقولوا : إنّا كنّا عن هذا غافلين . وقد روي عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أنّه قال : « العلم علمان : علم اللسان وذلك حجّة الله على آدم ، وعلم في القلب وذلك العلم النافع » ( 3 ) ، أي الذي يستلزم الطاعة والعمل ، وأمّا أنّ الحسرة عليه أدوم فلأنّه
--> 1 - النهج - قسم الحكم والمواعظ ، تحت رقم 320 . 2 - المصدر ، تحت رقم 284 . 3 - رواه ابن أبي شيبة في المصنّف ، والحكيم الترمذي في النوادر عن الحسن مرسلاً ، والخطيب عنه عن جابر بسند حسن كما في الجامع الصغير .